الشيخ محمد مهدي الآصفي
20
في ضيافة الرحمن ( تأملات ورؤى في مناسك الحج والعمرة )
ويقوى هذا الإحساس لدى الإنسان في المطاف ، وفي السعي ، وفي الموقف في عرفات ، وفي الإفاضة إلى المزدلفة ، وفي المزدلفة ، وفي منى ، وفي العودة إلى الطواف والسعي ، ويتضاءل لدى الإنسان المسلم الإحساس بالأنا ، ويتأكد لديه الإحساس بالجماعة المسلمة ، وبأنه عضو من جسم واحد ، وليس فرداً من مجموعة إنسانية ، وبأن هذه الأُمّة كيان واحد « 1 » ، ومصير واحد ، وما يصيبه من خير وشر يصيب الجميع ، وما يصيب الجماعة يصيبه لا محالة ، وبأنه وحده لا يستطيع أن يتحرك إلى الله على خطى إبراهيم ( ع ) إلّا أن يذوب في هذا الحشد البشري الكبير المتجه إلى الله . إنّ الناس قبل أن يدخلوا الميقات مجموعة من الأفراد ، يتمايزون فيما بينهم ، ويتزايدون ، ويتكاثرون ، ويتفاخرون ، ويتجادلون ، ويضرّ بعضهم بعضاً ، ويعتدي بعضهم على بعض ، وتجمعهم المجامع من المدن ، والضواحي ، والقرى ، فتجتمع في هذه المجامع هذه النزعات المتضاربة ، والأهواء المتخالفة ، والرغبات المتضادة ، وتتقاطع ، فتكون المجاميع البشرية ساحة للصراع والخلاف ؛ أمّا عندما يدخلون الميقات ، ويتجاوزونه إلى الحرم ، ويصبّون من خلال قنوات المواقيت التي وقّتها رسول الله ( ص ) إلى الحرم ، فإنهم يتحوّلون إلى أمّة واحدة ، يتحركون باتجّاه واحد ، ويلبّون دعوة واحدة ، ويلبسون زياً واحداً ، ويطوفون حول كعبة واحدة ، ويسعون في مسار واحد ، ويؤدون مناسك واحدة ، لا يختلفون ، ولا يتجادلون ، ولا يتفاخرون ، ولا يتضاربون ، ولايؤذي بعضهم بعضاً ، وكأنّ الحرم يصهرهم في بوتقة واحدة ، ويجعل منهم كياناً جديداً يختلف عما كانوا عليه . حرم آمن وأبرز خصائص هذا التركيب الجديد للمجتمع البشري الذي يستحدثه ( الحرم ) في حياة الناس هو الأمن والإحساس ب - ( الأمن ) إنّ هذا الأمن من نتائج هذا
--> ( 1 ) إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ الأنبياء : 92